U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

رواية دكان الحارة أحمد علي بيطار

 

 

 

 

 

 

 

رواية

دكان الحارة

أحمد علي بيطار

لم تكن تعني الكثير لأهالي الحي الصغير .....هي مجرد بقالية صغيرة تقع في وسط الحي يرتادها من اراد شيئا من قوت يومه او من مواد التنظيف،  لكن بالنسبة لي كانت تعني الكثير .

احسبها  قلب ذاك الحي في تحمل فرحه سروره افراحه واحزانه تهتم بكل تفاصيل الحي ولا تستوجب فقط تلبية حاجاتهم.

من كان يجلس خلف الطاولة عليه ان يكون حليما حكيما يمتلك ابتسامة ترغب من يرتادها ان يرمي اليه حمولته من  هم او غم او اخبار سمعها كخبر زيادة الرواتب التي يواسي بها نفسه على انها في القريب ناسيا ذاك الغلاء الموحش ولكي لا يتذمر يخفض رأسه ناسيا ما كان سعر تلك السعلة في الماضي ليس بالماضي البعيد لكن قريبا بما يكفي لأنه بنفس ذاك المدخول كان يشتريها ....

وكان ذاك القلب الذي يضخ دماءه في شرايينها واوردتها وازقتها يتلافى ويتقي ما ترمى اليه من اتهامات او مضاربات لتكتمل دورة الحياة بجسد منهك من التعب وشعب يقاوم الحياة ليحيا بكرامته دون ان يتسول او يمد يده للسرقة.

في تمام السادسة يفتح القلب لاستقبال الزبائن فهذه عادته بعد فترة من تزويد سكانه بمادة الخبز ،

يدخل ذاك الموظف وهو يبتسم :

صباح الخير .

صباح النور اهلا وسهلا بك

فيردد كلمة (خشمك يبى ) والتي لم اكن اعلم معنى لها حتى سألته فأجاب بضحكته المبهجة انها سلام من نوع اخر سلام اهل القبائل في الجزيرة العربية فهم يسلمون على انفسهم بالأنف فضحكت من كل قلبي  فكان حين يرددها لي اردها بنفس الكلمة ليغادر والابتسامة على كلينا ....

ثم تدخل الممرضة بعجلة تريد علبة سجائر فهي منذ زمن بعيد ادمنتها ولم تعد تستطيع ان تتركها.....  ويأتي طالب المدرسة  يأخذ بسكوتة بمصروفه اليومي وهو يحمل عبء حقيبة مليئة بالكتب والدفاتر وجمع هائل من الوظائف التي لا داعي لها على حد زعمه الا انها تعبئة لوقته.

بعد المدرسة يقف خلف الطالب عجوز يلبس ثوبا فضفاضا هو من تقاليد بلدته يمسك يد حفيده الذي يرى فيه والده المتوفي قبل ان يرى ابنه فيقول له اختر ما تريد، فيختار وهو في حيرة من امره فالأنواع كثيرة وكلها لذيذة فيخرج  وهو يتكئ على عكازه ويرى حفيده يسبقه الى البيت بعد ان اشترى له مالذ وطاب.

 

 

 

الشمس فوق الدكان تبدو جميلة رائعة وهي تنحدر إلى الغروب في طريقها إلى جبل قاسيون، حيث يبتلعها، لتعاود الظهور من الشرق مرة أخرى ..

 

يدخل رجل غريب لم يكترث له أحد !

فقلت له: تفضل

فأجابني صاحب المحل

إنه يسأل عن الأصناف وأسعارها، دون أن يشتري شيئاً، لا تشغل بالك، أعرف هذه النوعية من الزبائن الذين يكتفون بالنظر ولا يشترون .

قلت له: الزبون دائماً على حق .

فقال لا ليس على حق، ان كانت لا تعجبه البضاعة هنا، فليذهب  ويسأل غيرنا .

 

كان مقابل دكان الحارة بقالية صغيرة يجلس بها رجل كثير الصراخ، يتدثر برداء صوفي سميك قد ورثه عن  ابيه ...

كانت دكانه تبدو فارغة !

لايوجد فيها إلا قطع من الصابون الرديء الذي تستخدمه النسوة في غسل الملابس قد صفت على رف حديد يأكله الصدأ، وعلى رفٍ آخر بعض الحلوى للأطفال، وبعض الحاجيات المنزلية البسيطة على رفوف أخرى، وفي طرف من الدكان ثمة قارورتان من الكولا، وفي ركن آخر صفت أكياس من البلاستيك فيها بعض الحبوب الجافة .

في الخريف يطل برأسه خارج بقاليته وهو يشكو من ضعف في بدنه ولا يطيق البرد ولا يستسيغه، تمر عليه أيام الشتاء صعبة قاسية .

والشتاء في هذا الحي الدّمشقي شتاء ثقيل .

 

تخرج من بقاليته سيدة تلبس عباءة سوداء قد مال لونها الى الإحمرار لقدمها وشال أسود سميك على رأسها، دخلت دكان الحارة !

ليس من العادة أن تزورنا أو تطلب شراء أي شيء ..

- قالت: ارجوك انا امرأة تجاوزت السبعين من عمري وأعيل أيتاماً وأشكو العوز والضيق .

- فسألتها : هل لك حاجة فأقضيها لك يا خالة ؟

تقدمت قليلاً، وقالت لي وهي تخرج من عباءتها  كيساً من القماش

- هذه فواتير دكان لي يبعد عنكم مسافة ليست ببعيدة، بها بعض السلع، إني أريدك أن تبيعها لي في دكانك، فلم أعد اقوى على فتح دكاني .

-  على الرحب والسعة يا خالة .

ذهبت معها بسيارة وأحضرنا البضاعة وأحصيت عددها ..

ثم عرضتها في مكان بارز في مقدمة الدكان .

ثم سألتها: بكم تريدين أن أبيعها لك؟

فحددت ثمناً لكل نوع  ثم سألتها ثانية هل هذا آخر سعر للبيع ؟

فأجابت : نعم، أرجوك أن تبيعها بسرعة فإني في ضائقة واحتاج الى ثمنها .

فأجبتها: لقد وضعتها في مكان بارز حيث يمكن لكل من يمر أمام الدكان أن يراها، وسأرسل لك ثمن كل قطعة أبيعها في نفس اليوم ان شاء الله .

فشكرتني وانصرفت .

 

مرت أيام والبضاعة في مكانها لا يسأل عنها أحد ..

وفي ظهيرة أحد الأيام جاء رجل يتبختر في مشيته .. مر من أمام الدكان فلمح البضاعة  فتوجه داخل الدكان مباشرة وصار يقلب البضاعة ويعاينها، ثم قال: أريد كل هذه البضاعة فكم ثمنها ؟

فأعطيته الثمن الذي حددته الأرملة ..

- بل أعطيك نصف ما طلبت !

- إنها ليست لي، أودعتها لدي جارتنا الأرملة، وهي من حددت السعر، ولم تخولني لقبول التفاوض في ثمنها ..

- فرد بعصبية : بل تبيعها لي وبالثمن الذي قلته لك .

قلت له عذراً لن أبيعها بهذا الثمن فهي أمانة  عندي ولن أفرط في أمانة تعود لفقيرة، أرجوك أن تفهم وضعي فالأمر ليس بيدي إطلاقاً .

استشاط غضباً وقال بلهجة متوعدة: هل تتحداني أم أنك لا تريد أن تبيعني لأنني مسؤول..!!

سأجعلك تدفع الثمن غالياً .

وخرج غاضباً من الدكان ...

 

لم أفهم لمَ استشاط غضباً !!؟

وما علاقة بيع هذه البضاعة بكونه مسؤول، وما أدراني أنه مسؤول !!

مثل هذا الشخص لا يستفزني فهو مغرور على نفسه فقط .

 

في مساء ذاك اليوم ذهب إلى صاحب الدكان يشتكيني ويطلب منه شرائها، لكن صاحب الدكان رفض وطرده .

 

" الحي الشعبي ” ..

أو كما يحلو للعديد تسميته ( بحي البيادر )

و الذي يمثل أكبر حي في مساكن برزة  إما من حيث المساحة أو من حيث نسبة النمو الديموغرافي .

و هو يمثل خليط من العائلات التي تشكل فسيفساء جميلة الأعراق و الخصوصيات، والمتعارف عليه عند أغلب الناس أنَّ هذا الحي يقطنه نسبة كبيرة من ضعفاء الحال والميسورين والمستأجرين الذين لم ينالوا حتى نصيباً ضئيلاً من الوظائف داخل المؤسسات العامة و الخاصة بالبلاد .

وفي الحي  يسكن أطباء ومحامين ورياضيين مدربين، منهم المدرب الدولي الذي نال شهرة واسعة وحصل على لقب أفضل مدرب في العالم لرياضة ( التايكوانجتسو للدفاع عن النفس ) .

في الهند كانت سنوات خبرته وأساليبه المجربة عوناً لمئات الشباب على تحقيق تغييرات سلوكية إيجابية دائمة .

أذكر عندما أخبرت أبي عن أخلاقه وأدبه قال لي هذه أخلاق الرياضيين .. وهو أحد رواد الدكان .

 

 

 

 

صاحب الدكان يفتح في الصباح الباكر، يقوم برش الماء أمام باب الدكان

لترطيب " أجواء القعدة " ..

ثم يجلس متجلياً ليتابع الحدث الخاص بساكني الحارة من " الأوادم " ولا يخلو الأمر أيضاً من مشاهدة المتجولين، مهمتهم التقاط البلاستيك من القمامة وأزقة الحارة، وهم بالنسبة إليه من الأقوياء ..

بسبب تعففهم وعدم سؤالهم  الناس وما يحملونه يعجز عن بعض الرجال وهذا مؤشر هام بالنسبة إليه يعبر عن مستوى الرفاه الاقتصادي الذي يعيشه السكان من زبائن الدكان ..

 

فالقمامة الموجودة مثلاً

عند بيت " أبو سميح " وهو أحد رواد الدكان ومن أصحاب شعار " سجل على الدفتر "

لو شهدت نشاطاً رياضياً ملحوظاً من هؤلاء المتجولين  بالقفز منها وإليها لتلتقط مخلفات الطعام من الخبز والمواد البلاستيكية فهذا يعني أنّ

" أبو سميح لديه مال ويتهرب من دفع الحساب " .

لكن في هذا اليوم المشهود من جلوسه حدث شيء استثنائي ألا وهو أن المتجولين لا يوجد لهم نشاط فعلي عند القمامة، بل وجدهم ينتشرون .. وهم ينظرون في السماء وتلاحق أعينهم  العصافير !

فعلى ما يبدو أنَّ الحارة تعاني من حالة قحط وجفاف شديد .

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة