U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

مراجعة الخطاب الديني… عودة إلى الأصل لا استبدال له بقلم أحمد بيطار


 

مراجعة الخطاب الديني… عودة إلى الأصل لا استبدال له

 

بقلم أحمد بيطار

 

في خضمّ الدعوات المتكرّرة إلى ما يُسمّى “تجديد الخطاب الديني”، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه: هل نحن بحاجة إلى تجديد الدين ذاته، أم إلى مراجعة خطابنا نحن في فهمه وتقديمه؟ إنّ الفرق بين الأمرين كبير؛ فالدين في أصله ثابتٌ محفوظ، أمّا الخطاب فهو جهدٌ بشريّ، يعتريه ما يعتري البشر من نقصٍ أو خطأٍ أو قصور.

 

إنّ القول بمراجعة الخطاب الديني ليس طعنًا في الدين، ولا مساسًا بثوابته، بل هو عودةٌ صادقة إلى المنابع الأولى: كتاب الله عزّ وجلّ، وما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالمراجعة هنا تعني تصحيح المسار، وتنقية الفهم، وضبط القول، لا ابتداع معانٍ جديدة ولا ليّ ظهور نصوص توافق أهواء العصر.

 

لقد وقع الخلل حينما انزاح كثير من الخطاب الديني عن مركزه، فأصبح القرآن الكريم – في بعض البيئات – حاضرًا في الطقوس وغائبًا عن التوجيه، يُتلى في المآتم، ويُعلّق على الجدران، ويُستدعى للرقية، لكنّه لا يُستحضر بما يكفي في بناء الوعي ولا في تشكيل السلوك. ومن هنا نشأت فجوة بين النصّ والحياة، بين الوحي والواقع، فتسلّل إلى هذه الفجوة من يرفعون شعارات “التجديد”، دون ضابطٍ من علمٍ راسخ أو منهجٍ صحيح.

 

إنّ الضابط الحقّ لأي مراجعة هو ما ثبت في كتاب الله، وما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، بفهمٍ سليمٍ يراعي مقاصد الشريعة ولا يخرج عنها. وليس في هذا إكراهٌ للناس، فالهداية لا تُفرض، لكنّ البيان واجب، والصدق في البلاغ أمانة، والمسؤولية تقتضي أن يُقدَّم الدين كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

 

ومن أبرز مظاهر الخلل في واقعنا الدعوي اليوم ضعف التأصيل العلمي في كثير من المنابر. فخطب الجمعة – التي يُفترض أن تكون منابر هدايةٍ وتوجيه – تحوّلت في أحيانٍ كثيرة إلى سرد قصصٍ لا تثبت، أو رواياتٍ واهية، أو عباراتٍ إنشائية لا تستند إلى علمٍ رصين. أين تفسير القرآن؟ أين بيان الآيات وربطها بواقع الناس؟ أين بناء الوعي القرآني الذي كان سمة الخطاب النبوي الأول؟

 

ثم يبرز سؤالٌ مشروع: لماذا لا تكون هناك رقابة علمية رصينة على خطباء المساجد؟ ولماذا لا يُطلب منهم إعدادٌ منهجيّ لخطبهم، كما يُطلب من المعلّمين تحضير دروسهم؟ أليس المنبر أشدّ أثرًا من الصفّ؟ أليس المستمعون في حاجةٍ إلى خطابٍ مدروسٍ متّزن، يُقدَّم بعلمٍ ومسؤولية، لا بعفويةٍ قد تجرّ إلى الخطأ أو السطحية؟

 

إنّ الدعوة إلى إعداد الخطباء وتأهيلهم ليست تقييدًا لهم، بل حمايةٌ للمنبر من العبث، وصيانةٌ لعقول الناس من التضليل. كما أنّ توحيد بعض الموضوعات الكبرى، أو على الأقل ضبط أطرها العامة، قد يسهم في رفع مستوى الخطاب، ويمنع التكرار الفارغ أو الطرح المرتجل.

 

وليس المقصود من ذلك أن يتحوّل الخطيب إلى مجرّد قارئٍ لنصوصٍ جاهزة، بل أن يجمع بين التأصيل والاجتهاد المنضبط، بين الفهم العميق والطرح المؤثّر. فالخطبة الناجحة هي التي تنطلق من القرآن، وتستنير بالسنّة، وتخاطب الواقع بوعي، دون أن تنفصل عن أصولها.

 

إنّ مراجعة الخطاب الديني اليوم ضرورةٌ لا ترف، لكنها مراجعةٌ تعيدنا إلى الأصل، لا تُبعدنا عنه. مراجعةٌ تُحيي فينا مركزية القرآن، وتُعيد للسنّة مكانتها، وتُربّي الخطباء على العلم قبل المنبر، وعلى المسؤولية قبل البلاغة.

 

وفي الختام، فإنّ الأزمة ليست في الدين، بل في طريقة تقديمه، وليست في النصّ، بل في فهمه. وإذا أردنا إصلاح الخطاب، فالبداية لا تكون من تغييره، بل من تصحيحه، ولا من استبداله، بل من إعادته إلى منبعه الصافي، حيث لا زيف ولا غلوّ ولا تفريط.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة