هل الثقافة شرط البقاء بقلم أحمد بيطار
هل الثقافة شرط البقاء
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات، وتتشابك فيه الأصوات حتى يكاد
الحق يضيع بين الضجيج، لم يعد السؤال الثقافي ترفًا فكريًا، بل غدا سؤالًا وجوديًا:
كيف نعيد ضبط مسارنا الثقافي ليكون أساسًا لا هامشًا؟ كيف نجعل الثقافة عمودًا تقوم
عليه الحياة، لا زينة تُعلّق على جدرانها؟ إن أول ما ينبغي إدراكه أن الثقافة ليست
كتابًا يُقرأ فحسب، ولا قصيدة تُقال في مناسبة، ولا ندوة تُقام ثم تُنسى. الثقافة
هي ذلك النسيج الخفي الذي يشكّل وعينا، ويصوغ لغتنا، ويحدّد طريقة رؤيتنا لأنفسنا
وللعالم. هي ما يجعل الإنسان إنسانًا، لا مجرد كائنٍ يسير في قطيع الحياة. وحين
نُدرك هذه الحقيقة، ندرك أن إعادة ضبط المسار الثقافي تبدأ من إعادة تعريف الثقافة
ذاتها: من ترفٍ إلى ضرورة، ومن هامشٍ إلى مركز. غير أن العودة إلى الثقافة لا تعني
الارتماء في أحضان الماضي دون وعي، ولا تكرار ما قيل وكأنه نصٌّ مقدّس لا يُمسّ.
فالماضي، على عظمته، ليس معصومًا من النقد، ولا صالحًا بكل تفاصيله لكل زمان. إنما
المطلوب هو حوارٌ حيّ مع التراث، نأخذ منه ما ينهض بالإنسان، ونترك ما يُثقله
ويكبّله. فالثقافة الحيّة ليست التي تعيش في الماضي، بل التي تُحاوره لتبني الحاضر
وتصنع المستقبل. ومن أهم ما يعيد للثقافة مكانتها أن تُردّ إلى الحياة اليومية، لا
أن تبقى حبيسة النخب والصالونات. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، بل
فضاءٌ لبناء الوعي. والإعلام ليس وسيلة ترفيهٍ عابر، بل أداة تشكيلٍ عميقة للعقول.
والبيت ليس مجرد مأوى، بل هو أول مدرسةٍ يتعلّم فيها الإنسان كيف يفكر ويشعر
ويعبّر. حين تتكامل هذه الدوائر، تنشأ أجيالٌ تحمل الثقافة في سلوكها قبل كلماتها.
لكن هذا المسار لن يستقيم ما لم نُحسن التمييز بين المثقف الحقيقي ومنتج الضجيج.
فليس كل من كتب صار كاتبًا، ولا كل من ظهر صار مؤثرًا. المثقف الحقيقي هو من يحمل
همّ الإنسان، ويغوص في أسئلة الوجود، ويبحث عن الحقيقة لا عن التصفيق. أما من يلهث
خلف الشهرة، فإنه وإن ملأ الفضاء حضورًا، يتركه خواءً في المعنى. ومن هنا، فإن دعم
الثقافة يمرّ عبر دعم أصحاب العمق، لا أصحاب الصخب. كما أن من أخطر ما يواجه مسارنا
الثقافي هو التبعية العمياء، حين نستهلك ما يُنتج لنا دون تمحيص، ونقلّد دون فهم.
إن الثقافة التي لا تُنتج، تذوب. والتي لا تسائل، تُستلب. لذلك، فإن استعادة الدور
الثقافي الحقيقي تتطلب الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التلقي إلى الفعل،
ومن الانبهار إلى الوعي. ولعل الأهم من ذلك كله أن تتحول الثقافة إلى مشروعٍ جماعي،
لا عبءٍ فردي. فالثقافة لا يصنعها كاتبٌ وحده، ولا مؤسسةٌ بمفردها، بل هي مسؤولية
مجتمعٍ بأسره. تبدأ من الفرد، وتتسع في الأسرة، وتترسخ في المؤسسات، حتى تصبح هويةً
جامعة وروحًا مشتركة. إن إعادة ضبط المسار الثقافي ليست مهمةً سهلة، ولا طريقًا
قصيرًا. إنها رحلة وعيٍ وصبر، تُبنى فيها الأجيال لبنةً لبنة. لكنها، في الوقت
ذاته، الطريق الوحيد لبقاء الأمم حيّةً في عالمٍ لا يرحم الضعفاء ولا يحفظ
الغافلين. اذا فالثقافة، في جوهرها، ليست زينة الحياة… بل شرط بقائها.


إرسال تعليق